ابن كثير

196

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ هذه قراءة الجمهور « 1 » اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ وروي عن علي وأبي الحسن البصري أنهم قرءوها اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ « 2 » وروى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفروي عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن عبيد اللّه بن أبي رافع ، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ، ثم قال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه . وقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس من الذين استحق عليهم الأولين . وقرأ الحسن من الذين استحق عليهم الأولان حكاه ابن جرير « 3 » ، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك أي متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما ، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة ، وليكونا من أولى من يرث ذلك المال فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما أي لقولنا أنهما خانا ، أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة وَمَا اعْتَدَيْنا أي فيما قلنا فيهما من الخيانة ، إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي إن كنا قد كذبنا عليهما ، وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه ، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث « 4 » في جانب القاتل ، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام . وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسين بن زياد ، حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق ، عن أبي النضر ، عن باذان يعني أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب ، عن ابن عباس ، عن تميم الداري في هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ قال : برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء ، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام ، فأتيا الشام لتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ، معه جام « 5 » من فضة يريد به الملك ، وهو أعظم تجارته ، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله . قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ، واقتسمناه أنا وعدي ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام ، فسألونا عنه ، قلنا : ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره . قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة ، تأثمت من ذلك ، فأتيت أهله ، فأخبرتهم

--> ( 1 ) أي : « استحق » بالبناء للمفعول ، بضمّ التاء . قال الطبري : فقرأ ذلك قراء الحجاز والعراق والشام . ( 2 ) أي بفتح التاء من « استحق » . قال الطبري ورويت عن علي وأبيّ بن كعب والحسن البصري . ( 3 ) تفسير الطبري 5 / 119 . أي بفتح التاء من « استحقّ » . ( 4 ) اللوث : أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلانا قتلني ، أو يشهد شاهدان على ذلك على عوادة بينهما . ( 5 ) الجام : إناء .